
في السنوات الأخيرة، حاولت الولايات المتحدة إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط سياسيًا عبر ما عُرف باسم “الاتفاقات الإبراهيمية”، وهي الاتفاقيات التي فتحت الباب أمام تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. لكن رغم كل الزخم الإعلامي والسياسي الذي رافق المشروع، بقي السؤال الأكبر مطروحًا: لماذا لم تدخل السعودية حتى الآن؟
ومع عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، عاد الحديث مجددًا عن توسيع هذه الاتفاقيات لتشمل دولًا مؤثرة مثل السعودية وقطر وحتى باكستان، وسط تقارير تتحدث عن محاولات أمريكية لإقناع الرياض بالانضمام إلى المشروع باعتباره “الخطوة التاريخية الكبرى” التي قد تغيّر شكل المنطقة بالكامل.
لكن السعودية تبدو وكأنها تسير في اتجاه مختلف تمامًا.
الرياض لا ترى الملف كصفقة سياسية عادية
بالنسبة لواشنطن، قد تبدو الاتفاقات الإبراهيمية إنجازًا دبلوماسيًا يمكن البناء عليه اقتصاديًا وأمنيًا. أما بالنسبة للسعودية، فالقضية أكثر تعقيدًا من مجرد توقيع اتفاق أو تبادل سفارات.
السعودية ليست دولة عادية داخل العالم الإسلامي؛ فهي الدولة التي تحتضن مكة والمدينة، وأي قرار يتعلق بإسرائيل لا يُقرأ سياسيًا فقط، بل دينيًا وشعبيًا أيضًا.
ولهذا فإن الرياض تدرك أن الدخول في أي اتفاق من هذا النوع دون وجود حل واضح للقضية الفلسطينية قد يضعها أمام موجة انتقادات ضخمة داخل العالم العربي والإسلامي، خصوصًا مع استمرار التوترات في غزة والضفة الغربية.
ترامب أراد “الصفقة الكبرى”
خلال فترة رئاسته، كان ترامب ينظر إلى السعودية باعتبارها الجائزة السياسية الأكبر في مشروع التطبيع. فبعد توقيع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، بقيت الرياض الهدف الأهم.
وكانت الإدارة الأمريكية تراهن على أن دخول السعودية سيجعل بقية الدول الإسلامية أكثر استعدادًا للانضمام لاحقًا، وربما يفتح الباب أمام تحولات غير مسبوقة في المنطقة.
ولهذا انتشرت أحاديث متكررة عن ضغوط سياسية وصفقات اقتصادية وضمانات أمنية عُرضت على السعودية مقابل الدخول في الاتفاقات الإبراهيمية.
لكن رغم كل ذلك، لم تُقدم الرياض على الخطوة.
لماذا بقي الموقف السعودي مختلفًا؟
لأن السعودية لا تنظر فقط إلى اللحظة الحالية، بل إلى تأثير القرار على صورتها لعقود قادمة.
فالرياض اليوم تحاول أن توازن بين عدة ملفات شديدة الحساسية:
- علاقتها الاستراتيجية مع أمريكا.
- مكانتها داخل العالم الإسلامي.
- رؤيتها الاقتصادية الجديدة.
- علاقتها بالقضية الفلسطينية.
- وتوازناتها الإقليمية مع إيران وتركيا وبقية القوى الكبرى.
ولهذا فإن أي قرار مرتبط بإسرائيل لا يمكن أن يكون سريعًا أو عاطفيًا أو حتى قائمًا على ضغوط مؤقتة.
المفارقة: المنطقة تتغير… لكن الشارع لم يتغير بالكامل
رغم التحولات السياسية الكبيرة التي شهدها الشرق الأوسط، ما تزال القضية الفلسطينية تحمل تأثيرًا عاطفيًا واسعًا داخل الشارع العربي.
وهذا ما يجعل ملف التطبيع مختلفًا عن أي ملف سياسي آخر.
فالحكومات قد تنظر إلى المصالح الاقتصادية والأمنية، لكن الشعوب غالبًا تنظر إلى القضية من زاوية رمزية وتاريخية ودينية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالسعودية.
هل يمكن أن يتغير الموقف مستقبلًا؟
السياسة في الشرق الأوسط لا تعرف الثبات الكامل، وكل شيء قابل للتغير مع تبدل الظروف والتحالفات. لكن حتى الآن، يبدو أن السعودية تريد أن تبقى صاحبة القرار الأخير في هذا الملف، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية أو الرغبات الأمريكية.
فالرياض تدرك أن أي خطوة تقوم بها لن تكون مجرد خبر سياسي عابر، بل حدثًا سيعيد رسم موازين المنطقة بأكملها.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: “هل ستطبع السعودية؟”
بل: “متى ترى السعودية أن التوقيت مناسب لمثل هذه الخطوة… وهل سيكون الثمن السياسي مقبولًا؟”

